عبد الفتاح عبد المقصود

106

في نور محمد فاطمه الزهراء

وبلغ مشارف البلدة المقدّسة ، وعمد إلى تنفيذ غرضه ، وهو يتصدّر قوّاته ، على ظهر فيل . وتسامع بأمره الناس ، وتناقلت الألسن ما شهدت العيون : إنّه لينطلق كالإعصار ، إنّه لهول ليس مثله في الأهوال ، إنّه لداهمة قضاء . فإذا الذعر في مكّة يشيع ، وإذا الأبصار تزيغ ، وإذا الصدور تموج بالارتياع ، وإذا القلوب تبلغ الحناجر ثم تهوي عند الأقدام . وهل كانت للقوم طاقة بمثل هذا الجيش الجرّار « 1 » ؟ هل لهم قِبَلٌ بما امتشق « 2 » الغزاة من سلاح ؟ هل رأوا ، قبل يومهم ، تلك الدابّة الضارية التي اتّخذها قائد المغيرين مطية قتال ؟ لكن شيخ قريش لم يروع روعهم ، لم يخش الغارة ، لم يهزّه الخطب الذي تؤكّد ظواهر الحال أنّه وشيك النزول . بجأشٍ ثابتٍ ، مضى - والهيبة له طليعة - إلى « الأشرم » ليرى ما جاءهم فيه ، وقال له القائد المدلّ « 3 » بجبروته : إنّي إنّما جئت لهدم البيت ، فإن لم تحولوا بيني وبينه لم أزد على هدمه ، وإن حلتم أتيت عليكم ، فما ترى ؟ فلم يبال الشيخ هذا الوعيد ، وأجاب بهدوء : أقول أيها الملك : ردّ عليّ إبلي التي أخذتها ! ! فذهل صاحب الفيل من الجواب ، وقال وهو مدهوش ، وفي كلماته ونبراته زراية وسخرية : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلّمتني ، أتكلّمني في مائة بعير أصبتها لك ، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلّمني فيه ؟ !

--> ( 1 ) . جيش جرّار : أي كثير الجرّ ، سمّي بذلك لأنّه يجرّ غبار الحرب . ( 2 ) . امتشق السلاح : استلّه وشهره بوجه الخصم . ( 3 ) . المُدلّ : الواثق بنفسه وبعدّته .